الآثار التعبدية لاسم الله ((النور))
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله ((نور السماوات والأرض)) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
يقول الشيخ السعدي: - ""النور من أوصافه تَعَالَى، وهو على نوعين:
نور حسي: وهو ما اتصف به سُبْحَانَهُ من النور العظيم، الذي لو كشف الحجاب عن وجهه لأحرقت سبحاتُ وجهه، ونورُ جلاله ما انتهى إليه بصره من خلقه، وهذا النور لا يمكن التعبير عنه إلا بمثل هذه العبارة النبوية المؤدية للمعنى العظيم، وأنه لا تطيق المخلوقات كلها الثبوت لنور وجهه لو تبدى لها، ولولا أن أهل دار القرار يعطيهم الرب حياة كاملة، ويعينهم على ذلك لما تمكنوا من رؤية الرب العظيم، وجميع الأنوار في السموات العلوية كلها من نوره، بل نور جنات النعيم التي عرضها السموات والأرض- وسعتها لا يعلمها إلا الله- من نوره، فنور العرش والكرسي والجنات من نوره، فضلًا عن نور الشمس والقمر والكواكب""]] (تفسير السعدي (ص: ٥٦٩)
نور معنوي: وهو النور الذي نور قلوب أنبيائه وأصفيائه وأوليائه وملائكته، من أنوار معرفته وأنوار محبته؛ فإن لمعرفته في قلوب أوليائه المؤمنين أنوارًا بحسب ما عرفوه من نعوت جلاله، وما اعتقدوه من صفات جماله، فكل وصف من أوصافه له تأثير في قلوبهم؛ فإن معرفة المولى أعظم المعارف كلها، والعلم به أجل العلوم، والعلم النافع كله أنوار في القلوب، فكيف بهذا العلم الذي هو أفضل العلوم وأجلها وأصلها وأساسها.
وقد كان من دعاء النبي ﷺ سؤال هذا النور، ففي الحديث: »اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا«.
فمن هذا الاسم: -
تنطلق معاني العظمة والكبرياء والجلال والمجد؛ لتملأ القلوب من أنوار الهيبة والتعظيم والإجلال والتكبير.
تظهر معاني الجمال والبر والإكرام من أنوار المحبة والود والشوق.
تظهر معاني الرحمة والرأفة والجود واللطف من أنوار الحب النامي على الإحسان، وأنوار الشكر والحمد بأنواعه والثناء.
تبرز معاني العلم والإحاطة والشهادة والقرب الخاص من أنوار مراقبته، وتوصلهم إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات كلها؛»أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ«.
فكل معنى ونعت من نعوت الرب يكفي في امتلاء القلب من نوره. (ينظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (٢/ ٥٠ - ٥٢).
الأثر الثاني: الإيمان بأن كتب الله ورسله ودينه نور من عنده
فكل الكتب المنزلة من عنده تَعَالَى- قبل تحريف أقوامها:" فكل الكتب السماوية تعرضت للتحريف، عدا القرآن الكريم الذي تولى الله حفظه، يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]"- هي نور يضيء الله به قلوب العباد، في كل زمان ومكان، ومن شواهد ذلك
قوله تَعَالَى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]،
وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١].
قوله تَعَالَى عن الإنجيل: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٤٦].
قوله تَعَالَى عن القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء١٧٤]، وهو أعظم الأنوار المنزلة.
قوله تَعَالَى عن محمد ﷺ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]. وفي موضع آخر قال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة:١٥]، وقد تنوعت أقوال المفسرين في المراد بالنور في هذه الآية على ثلاثة أقوال: -وهي:
القرآن الكريم.
محمد ﷺ.
الإسلام.
ووجه تسمية كل من هذه الثلاثة نورًا؛ لاشتراكهم في هداية الناس لنور الله، وإخراجهم من ظلمات الغي والضلالة لأنوار الحق والهداية، فلولا النور الحسي لما أدرك البصر شيئًا من المبصرات، ولولا ما جاء به النبي من القرآن والإسلام لما أدرك ذو البصيرة الحق من الباطل.
الأثر الثالث: محبة الله نور السماوات والأرض:
حري بالمسلم أن يحب هذا الإله العظيم الكريم الذي ينير لعباده طريق دنياهم وآخرتهم، ويمن عليهم بإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول الله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢٥٧]، ويقول- جل في علاه- ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦]
ولو تأمل العبد في قوله تَعَالَى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] لعرف أن طرق الباطل كثيرة، وهي ظلمات عديدة، وطريق الحق واحدة وهو نور واحد، والله الهادي إلى هذا النور بكرمه؛ فالحمد لله ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن فيهن.
الأثر الرابع: نور الله ( دينه) باقٍ بحفظ الله:
فمهما اجتهد الكفار والمنافقون في أي زمان ومكان، بأن يحرّفوا هذا القرآن، ويطعنوا بلغته ودينه، فسيبقى إلى يوم الدين، وهذا من الإعجاز القرآني، فالله حافظ كتابه، وكتابه حافظ لهذه الأمة من الزوال، يقول تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وغاية ما يسعهم في محاولة الإطفاء: (الكلمة)؛ سواء ببث الأكاذيب والدسائس للتشكيك في دين الله، أو بالتحريض على أهل الإسلام والعلماء، ولذا تكرر ذكر »بأفواههم« في القرآن، كما في قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨] إشارة منه سُبْحَانَهُ إلى أن هذا سلاحهم الضعيف في المعركة محسومة النتائج.
ورد الله على محاولتهم الكلامية الطائشة التي لا يمكنها أن تقاوم نور الله، بأن الله متم نوره رغم كرههم، وأن دين الحق والنور سيبقى ظاهرًا على كل الأديان وفي كل الأزمان ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]، وهذا وعد تطمئن له قلوب المؤمنين، فيصبرون على الأذى والمشقة؛ لأن النتائج عظيمة لصالحهم، فدين الله سيعلو على سائر الأديان.
الأثر الخامس: السعي للعمل الصالح الذي ينير للعبد يوم القيامة
[[فإن العبد أفقر ما يكون إلى أن يفتح الله له أبواب رحمته، فيشرح صدره للهدى وينور طريقه للصلاح، ويأخذ بيده إلى طريق فلاحه ونجاحه، ولا يوفق العبد لذلك إلا بمعونة من الله وفضل، قال تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]
والمؤمن متى استسلم لأمر ربه، والتزم بفرائضه، وأى أوامره، واجتنب نواهيه؛ فإنه بهذا العمل يتقرب إلى الله ويتحبب إليه، فيقذف الله في قلبه نورًا، حتى إذا ما امتلأ القلب بنور الله، استنار به الوجه في الدنيا والآخرة، وانقادت الجوارح بالطاعة راغبة، وهذا النور الذي في القلب هو الذي يمنع العبد من ارتكاب الفواحش، كما قال النبي ﷺ »لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ« فأخبر أن وقوع هذه الكبائر لا يكون ولا يقع مع وجود الإيمان ونوره]]. (فتح الرحيم العلام، للسعدي (ص ٦٢).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
»قال ابن عباس: إن للحسنة لنورًا في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وزيادة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلمة في القلب، وغبرة في الوجه، وضعفًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق« (الداء والدواء، لابن القيم (ص: ١٣٥)
الأثر السادس: دعاء الله باسمه نور السموات والأرض
فمن دعاء النبي ﷺ أن يرزقه الله النور في كل حاسة، وفي كل اتجاه، فعن ابن عباس -رضي الله عنها انه قال: أن الرسول ﷺ كان يدعو في صلاة الليل، وكان يقول في دعائه: »اللهمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا، قَالَ كُرَيْبٌ: وَسَبْعٌ فِي التَّابُوتِ. فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ فَحَدَّثَنِي بِهِنَّ فَذَكَرَ: عَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي«
وثبت أنه ﷺ يقول هذا الدعاء- أيضًا- في قيام الليل قبل صلاة الفجر؛ لأن الليل مظلم، والعبد في الظلمة يحتاج إلى نور، فناسب ذكر هذا الدعاء.
كما ثبت أنه قاله في سجوده، وهو أقرب ما يكون العبد من ربه، وحري بمن سأل الله في السجود أمرًا أن يستجاب له.
ومن دعائه ﷺ أيضًا في قيام الليل: »اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنّ«.
وقد ثبت من دعائه ﷺ في أذكار الصباح والمساء قوله» إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ، وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ«.
وكأنها إشارة إلى أن الكون لا يكون مضيئًا دون أن ينال من نور الله المعنوي نصيب«
اللهم إنا نسألك أن تجعل في قلوبنا نورًا، وفي أبصارنا نورًا، وفي سمعنا نورًا، وعن يميننا نورًا، وعن يسارنا نورًا، وفوقنا نورًا، وتحتنا نورًا، وأمامنا نورًا، وخلفنا نورًا، واجعل لنا نورًا.